قبل فترة، كنتُ أتساءل لماذا تتكرّر النتيجة في كل مرة، حتىمرة أخرى، انتهى الأمر كما انتهى في المرات السابقة. وكنت أتساءل لماذا تتكرّر النتيجة، حتى عندما أختار شيئًا مختلفًا.
كنت أُغيّر الطريقة، أبدّل الأشخاص، أعدّل التفاصيل، لكن النهاية كانت، بشكل أو بآخر، تُشبه بعضها دومًا.
هذا ما كنت أحدّث به نفسي بعد كل خسارة. خسارة مال، أو وقت، أو شخص. التفاصيل تتغيّر، والشعور في النهاية واحد.
والأصعب؟ أن التكرار لم يكن لحظيًا، بل كان يمتدّ على فترات طويلة. وبدأت أشعر أن النتيجة محفوظة سلفًا، وكأن شيئًا داخليًا كان يسبق كل محاولة جديدة بخطوة.
ثم استوعبت ما الذي يجمع كل قصصي: كنت، حتى عندما أغيّر الاتجاه، أبدأ من النقطة ذاتها.
والنقطة هذه؟ كانت أنا.
أنا التي كنتُ أتكرّر في كل الحكايات، بنفس الشعور، بنفس التوقّع، بنفس ردّة الفعل. فما كان غريبًا أن تتشابه النهايات، طالما أنا لم أتغيّر، وطالما الشعور الذي أتحرّك منه… لم يتغيّر.
بدأت ألاحظ كيف أن الخوف يختار عني، كيف أن الذنب يصوغ ردودي، وأن التعلّق يحرّف قراراتي، حتى حين أغلّفها بالمنطق.
ودون وعي، كنت أُفسّر تلك المشاعر بأسماء أخرى: أسمّيها طيبة، أو نضجًا، أو حكمة. بينما كنت، في الحقيقة، أعيد نفس الدائرة بصيَغ مختلفة.
وفي هذا، لست وحدي.
سنة ١٩٧٤، في كندا، كان هناك جسر معلّق فوق نهر كابيلانو. جسر خشبي ضيّق، يتمايل مع كل خطوة، ويرتفع عن الماء أكثر من سبعين مترًا.
في منتصفه، وقفت امرأة تستوقف الرجال العابرين، وتطلب منهم أن يملؤوا استبيانًا قصيرًا، ويكتبوا فيه قصة صغيرة عن صورة تعرضها عليهم. وفي النهاية، كانت تكتب رقم هاتفها على ورقة صغيرة، وتقول: إن أردت أن تعرف المزيد عن الدراسة، اتصل بي.
ثم أعاد الباحثان، دونالد داتون وآرثر آرون، التجربة نفسها على جسر آخر قريب. جسر ثابت، منخفض، لا يتمايل.
الرجال الذين قابلوها على الجسر المعلّق اتصلوا بها أكثر بكثير. قرابة نصفهم. أما على الجسر الثابت، فاتصل اثنان فقط من ستة عشر.
لم تكن المرأة أجمل فوق النهر. لكن الجسد كان خائفًا. القلب يدقّ بسرعة، والنَّفَس قصير، واليدان تتعرّقان. والعقل لا يحتمل أن يشعر بشيء دون أن يعرف سببه، فيبحث عن تفسير قريب. ورأى امرأة أمامه، فقال: أنا منجذب إليها.
هكذا لبس الخوف اسم الإعجاب. والإعجاب صار قرارًا: رقم هاتف، ومكالمة، ومحاولة لقاء.
وربما كان هناك شيء آخر أيضًا. في لحظات الخوف، نبحث عن وجه يطمئننا. فنتمسّك بأول يد تمتد إلينا، ونظن أننا اخترناها.
بدا عليهم الإعجاب. لكن ربما لم تكن المرأة وحدها وراء هذا الشعور، بل الجسر أيضًا.
الجسد شعر بشيء، والعقل أعطاه اسمًا آخر. ثم بنى عليه قرارًا.
حين قرأت هذه التجربة، فاجأتني. فكّرت في كل خوف مرّ بنا، وهربنا منه إلى شيء يشبه الأمان: وجه، أو عمل، أو علاقة، أو عادة. ثم سمّينا هروبنا اختيارًا.
ومرة بعد مرة، صار الهروب نفسه طريقًا نعرفه، نعود إليه دون أن ننتبه.
وهذا تمامًا ما كنت أفعله.
في تلك المرحلة، لم أكن بحاجة إلى تغيير كبير، بل كنت بحاجة إلى لحظة صادقة أسأل فيها نفسي:
«من أين أتحرّك الآن؟»
بدأ هذا السؤال يرافقني في لحظات صغيرة: قبل رسالة، قبل ردّ، قبل قرار، حتى قبل سكوت. وأحيانًا، لم يكن الجواب واضحًا، لكنه كان كافيًا لأعيد ترتيب ما أراه أمامي.
وكانت كل لحظة وعي كمرآة صغيرة… تُظهر لي ما كنت أغضّ الطرف عنه.
ومع الوقت، أدركت أن المهم ليس أن أتخلّص من كل شعور صعب، بل أن أنتبه إلى الشعور الذي أتحرّك منه قبل أن يتحوّل إلى قرار. فالخوف قد يجعل كل شيء يبدو تهديدًا، والغضب قد يُضخّم كل شيء، أما الحب… فيُهدّئ الداخل ويوسّع الرؤية.
ولا يُطلب منا أن نقفز دفعة واحدة. إن كنت في الخوف، يكفي أن تختار خطوة واحدة فيها شجاعة. وإن كنت في الغضب، ربما يكفي أن تصل إلى الهدوء.
هذه التحوّلات الصغيرة قد لا يراها أحد، لكنها تغيّر الاتجاه.
وليس المطلوب أن نصل إلى مكان مثالي، بل أن نعرف أين نقف الآن، وهل يمكن أن نختار خطوة مختلفة عن تلك التي اعتدنا عليها.
يكفي أحيانًا أن تسأل نفسك: هل هذا الشعور هو ما أريد أن أبدأ منه يومي؟
وإن لم يكن… فربما هذه اللحظة تحديدًا، هي نقطة البداية مرة أخرى، انتهى الأمر كما انتهى في المرات السابقة. وكنت أتساءل لماذا تتكرّر النتيجة، حتى عندما أختار شيئًا مختلفًا.
كنت أُغيّر الطريقة، أبدّل الأشخاص، أعدّل التفاصيل، لكن النهاية كانت، بشكل أو بآخر، تُشبه بعضها دومًا.
هذا ما كنت أحدّث به نفسي بعد كل خسارة. خسارة مال، أو وقت، أو شخص. التفاصيل تتغيّر، والشعور في النهاية واحد.
والأصعب؟ أن التكرار لم يكن لحظيًا، بل كان يمتدّ على فترات طويلة. وبدأت أشعر أن النتيجة محفوظة سلفًا، وكأن شيئًا داخليًا كان يسبق كل محاولة جديدة بخطوة.
ثم استوعبت ما الذي يجمع كل قصصي: كنت، حتى عندما أغيّر الاتجاه، أبدأ من النقطة ذاتها.
والنقطة هذه؟ كانت أنا.
أنا التي كنتُ أتكرّر في كل الحكايات، بنفس الشعور، بنفس التوقّع، بنفس ردّة الفعل. فما كان غريبًا أن تتشابه النهايات، طالما أنا لم أتغيّر، وطالما الشعور الذي أتحرّك منه… لم يتغيّر.
بدأت ألاحظ كيف أن الخوف يختار عني، كيف أن الذنب يصوغ ردودي، وأن التعلّق يحرّف قراراتي، حتى حين أغلّفها بالمنطق.
ودون وعي، كنت أُفسّر تلك المشاعر بأسماء أخرى: أسمّيها طيبة، أو نضجًا، أو حكمة. بينما كنت، في الحقيقة، أعيد نفس الدائرة بصيَغ مختلفة.
وفي هذا، لست وحدي.
سنة ١٩٧٤، في كندا، كان هناك جسر معلّق فوق نهر كابيلانو. جسر خشبي ضيّق، يتمايل مع كل خطوة، ويرتفع عن الماء أكثر من سبعين مترًا.
في منتصفه، وقفت امرأة تستوقف الرجال العابرين، وتطلب منهم أن يملؤوا استبيانًا قصيرًا، ويكتبوا فيه قصة صغيرة عن صورة تعرضها عليهم. وفي النهاية، كانت تكتب رقم هاتفها على ورقة صغيرة، وتقول: إن أردت أن تعرف المزيد عن الدراسة، اتصل بي.
ثم أعاد الباحثان، دونالد داتون وآرثر آرون، التجربة نفسها على جسر آخر قريب. جسر ثابت، منخفض، لا يتمايل.
الرجال الذين قابلوها على الجسر المعلّق اتصلوا بها أكثر بكثير. قرابة نصفهم. أما على الجسر الثابت، فاتصل اثنان فقط من ستة عشر.
لم تكن المرأة أجمل فوق النهر. لكن الجسد كان خائفًا. القلب يدقّ بسرعة، والنَّفَس قصير، واليدان تتعرّقان. والعقل لا يحتمل أن يشعر بشيء دون أن يعرف سببه، فيبحث عن تفسير قريب. ورأى امرأة أمامه، فقال: أنا منجذب إليها.
هكذا لبس الخوف اسم الإعجاب. والإعجاب صار قرارًا: رقم هاتف، ومكالمة، ومحاولة لقاء.
وربما كان هناك شيء آخر أيضًا. في لحظات الخوف، نبحث عن وجه يطمئننا. فنتمسّك بأول يد تمتد إلينا، ونظن أننا اخترناها.
بدا عليهم الإعجاب. لكن ربما لم تكن المرأة وحدها وراء هذا الشعور، بل الجسر أيضًا.
الجسد شعر بشيء، والعقل أعطاه اسمًا آخر. ثم بنى عليه قرارًا.
حين قرأت هذه التجربة، فاجأتني. فكّرت في كل خوف مرّ بنا، وهربنا منه إلى شيء يشبه الأمان: وجه، أو عمل، أو علاقة، أو عادة. ثم سمّينا هروبنا اختيارًا.
ومرة بعد مرة، صار الهروب نفسه طريقًا نعرفه، نعود إليه دون أن ننتبه.
وهذا تمامًا ما كنت أفعله.
ولم يكن هذا لومًا لنفسي. كان أول مرة أرى فيها أين ما زال القرار بيدي.
في تلك المرحلة، لم أكن بحاجة إلى تغيير كبير، بل كنت بحاجة إلى لحظة صادقة أسأل فيها نفسي:
«من أين أتحرّك الآن؟»
بدأ هذا السؤال يرافقني في لحظات صغيرة: قبل رسالة، قبل ردّ، قبل قرار، حتى قبل سكوت. وأحيانًا، لم يكن الجواب واضحًا، لكنه كان كافيًا لأعيد ترتيب ما أراه أمامي.
وكانت كل لحظة وعي كمرآة صغيرة… تُظهر لي ما كنت أغضّ الطرف عنه.
ومع الوقت، أدركت أن المهم ليس أن أتخلّص من كل شعور صعب، بل أن أنتبه إلى الشعور الذي أتحرّك منه قبل أن يتحوّل إلى قرار. فالخوف قد يجعل كل شيء يبدو تهديدًا، والغضب قد يُضخّم كل شيء، أما الحب… فيُهدّئ الداخل ويوسّع الرؤية.
ولا يُطلب منا أن نقفز دفعة واحدة. إن كنت في الخوف، يكفي أن تختار خطوة واحدة فيها شجاعة. وإن كنت في الغضب، ربما يكفي أن تصل إلى الهدوء.
هذه التحوّلات الصغيرة قد لا يراها أحد، لكنها تغيّر الاتجاه.
وليس المطلوب أن نصل إلى مكان مثالي، بل أن نعرف أين نقف الآن، وهل يمكن أن نختار خطوة مختلفة عن تلك التي اعتدنا عليها.
يكفي أحيانًا أن تسأل نفسك: هل هذا الشعور هو ما أريد أن أبدأ منه يومي؟
وإن لم يكن… فربما هذه اللحظة تحديدًا، هي نقطة البداية الجديدة.
بداياتنا الحقيقية لا تُصنع بضجيج، بل تُولد في الداخل، حين نُقرّر ألّا نترك ما نشعر به الآن يختار عنّا.
فإذا كانت النهايات لا تعجبك… غيّر نقطة الانطلاق.
.png)
تعليقات
إرسال تعليق