التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يونيو, 2026

البوصلة: رحلة اكتشاف الاتجاه

  من الغريب أن البشر اخترعوا البوصلة قبل أن يصبح قياس الوقت بهذا القدر من الدقة. قد يبدو الأمر تفصيلًا تاريخيًا صغيرًا، لكنه يطرح سؤالًا مهمًا.  قبل أن نسأل: كم تأخرت؟ كان علينا أن نسأل: إلى أين أذهب؟ لهذا السبب لا أعتقد أن أكبر مشكلة يواجهها الإنسان في حياته هي الوقت. صحيح أن الوقت لا يمكن تعويضه، لكن يمكن أن نتأخر ثم نلحق. يمكن أن نتوقف فترة ثم نبدأ من جديد أما الاتجاه فقصته مختلفة. نمضي سنوات طويلة ونحن نتحرك بسرعة، ونبذل جهدًا حقيقيًا، ثم نكتشف أن المشكلة لم تكن في بطئنا أو سرعتنا أصلًا، بل في الطريق الذي كنا نسير فيه. ونبدأ نشعر أن حياتنا مجرد محاولة لعبور الأيام، وننسى أنها رحلة لاكتشاف... بوصلتنا. بداية لم نخترها ولدنا ونحن لا نعرف بعد من نكون، ولا ما الذي نحبه أو نكرهه، ولا ما الذي يناسبنا أو لا يناسبنا. ومن أول يوم في حياتنا، هناك أشياء كثيرة ستؤثر في مستقبلنا، ولم يكن لنا أي رأي في أي منها. لم نختر والدينا. لم نختر العائلة التي ولدنا فيها. لم نختر الظروف التي سنكبر داخلها. ومع ذلك، نقضي سنوات نتعامل مع نتائج قرارات لم نصنعها بأيدينا. بعضنا ولد في بيوت تشعرهم من...

ديستوفسكي: الرجل الذي عاد من حافة الموت ليكتب عن الجحيم الإنساني

  "الإنسان يعتاد كل شيء — هذا هو أفضل تعريف له." ما الذي يفكر فيه رجل حين يعلم أن الرصاصة قادمة؟ ربما لا شيء. ربما كل شيء دفعة واحدة. ربما يكتشف فجأة أنه لم يحب أحدًا حقًا، أو أنه أحب الجميع ولم يقل ذلك قط. في صباح بارد من شتاء سانت بطرسبرغ، يوم الثاني والعشرين من ديسمبر عام 1849، وقف فيودور ديستوفسكي مقيدًا إلى عمود خشبي، وعلى رأسه قبعة بيضاء كان يعرف معناها. لم يكن قد تجاوز الثامنة والعشرين، ومع ذلك شعر، في تلك الدقائق القليلة، أن عمرًا كاملًا مرّ داخله دفعةً واحدة — كأن الحياة، حين تعرف أنها ستُسرق، تقرر أن تعيش كلها في آخر نفس. ثم جاء العفو. لكن هل يُعفى عن رجل رأى وجه العدم؟ توقفت البنادق، وتراجع الموت خطوةً إلى الخلف، لكن شيئًا آخر بقي هناك إلى الأبد — حفرة مفتوحة في الروح، نافذة لا تُغلق بعد أن يرى الإنسان من خلالها القاع الحقيقي لنفسه. وُلد عام 1821 في موسكو،  قرب مستشفى للفقراء. هناك، بين المرضى والمتسولين ورائحة الأدوية والرطوبة، بدأ الطفل يفهم شيئًا لن يفهمه الفلاسفة من كتبهم: أن البؤس ليس حادثًا عابرًا في حياة البشر، بل جزء خفي من طبيعتهم نفسها. شيء يختبئ في الداخ...