التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مكسيم غوركي: حياة أقسى من رواياته

بورتريه لمكسيم غوركي التُقط حوالي عام 1900.
مكسيم غوركي، حوالي عام 1900.

في مدينة نيجني نوفغورود، إحدى أكبر مدن غرب روسيا، على ضفاف نهر الفولغا، وُلد أليكسي مكسيموفيتش بيشكوف في 28 مارس 1868. لم يكن أحد يتخيل أن هذا الطفل اليتيم بلا مستقبل واضح، أنه سيصبح واحدًا من أهم الأصوات الأدبية في القرن العشرين. لكن قبل أن يصير "غوركي"، كان عليه أولًا أن يعبر طريقًا طويلًا من الفقد، والتشرد، والانكسار، ثم إعادة البناء. 

هذه ليست فقط سيرة كاتب. هي قصة إنسان قرر، في كل مرحلة من حياته، أن يعيد تعريف نفسه من جديد.

 

الطفولة: بيت بلا أمان

 

في عام 1871، وكان أليكسي في الثالثة من عمره، توفي والده مكسيم بيشكوف بالكوليرا. انتقلت والدته به إلى منزل جده وجدته من جهة الأم، ظنًا منها أن ذلك البيت سيكون ملاذًا آمنًا لطفل فقد والده.

لكن البيت الذي دخله لم يكن يشبه الأمان.

كان جده، فاسيلي كاشيرين، رجلًا شديد القسوة، سريع الغضب، يؤمن بأن الضرب هو الطريقة الوحيدة لتربية الأطفال. في سيرته الذاتية "طفولتي"، وصف غوركي ذلك المنزل بجملة أصبحت من أشهر ما كتب:

"الكراهية ملأت بيت جدي مثل الضباب."

لم يكن الجلد حادثة استثنائية، بل جزءًا من الحياة اليومية. ومع ذلك، كان هذا الجد نفسه هو من علّمه القراءة الأولى، من كتاب الصلاة — مزيج متناقض من القسوة والعطاء ميّز علاقتهما.

وسط هذه القسوة، كانت هناك شخصية مختلفة تمامًا: جدته أكولينا إيفانوفنا. لم تعلّمه الحروف، لكنها منحته شيئًا أعمق؛ كانت تحفظ عشرات الحكايات الشعبية الروسية، وتروي له قصص القديسين والفرسان والأساطير. لاحقًا، قال غوركي إن كل ما كتبه بدأ من تلك الليالي التي كانت تجلس فيها جدته بجانبه وتحكي له القصص.

لكن حتى هذا الضوء لم يدم طويلًا. في عام 1879، وكان في الحادية عشرة من عمره، توفيت والدته بمرض السل، وأصبح يتيمًا بالكامل تقريبًا.

 

سنوات التشرد: الجامعة التي لم يدخلها

بعد وفاة والدته بعام تقريبًا، اضطر أليكسي إلى ترك المدرسة نهائيًا وبدأ يعمل ليعيش: مساعدًا في متجر أحذية، صبيًا في مخبز، متدربًا عند رسام أيقونات، عاملًا في ورش مختلفة، حمالًا، وغسال صحون على سفن الفولغا.

وفي إحدى تلك الرحلات، حدث ما غيّر حياته. لاحظ طباخ السفينة أن الصبي يراقب الكتب التي يحملها المسافرون، فبدأ يعيره الروايات واحدة تلو الأخرى، ويعلّمه كيف يقرأ بشكل حقيقي. كانت تلك أول مرة يشعر فيها أليكسي أن هناك عالمًا لا يستطيع أحد أن يضربه داخله. قرأ بوشكين، وغوغول، وديكنز، وشكسبير.

في عام 1884، وكان في السادسة عشرة من عمره، سار مئات الكيلومترات إلى مدينة قازان، يحلم بالالتحاق بالجامعة نفسها التي درس فيها ليو تولستوي، لكن رُفض قبوله. عمل حمّالًا على الأرصفة، وسكن في قبو رطب مع مجموعة من الطلاب الفقراء والمشردين والشعراء الهامشيين، وهؤلاء أصبحوا لاحقًا أبطال مسرحيته "الأعماق السفلى".

 

الرصاصة التي لم تنهِ القصة

بحلول عام 1887، كان أليكسي قد بلغ التاسعة عشرة من عمره. في ديسمبر من ذلك العام، حمل مسدسًا وأطلق النار على صدره محاولًا إنهاء حياته.

نجا. لكن الرصاصة أتلفت جزءًا من رئته اليسرى، وزرعت فيه أولى بوادر السل الذي رافقه بقية حياته.

بعد شفائه، اختار أن يسافر بلا وجهة واضحة.

 

الاسم الذي اختاره لنفسه

 

لسنوات، تنقّل سيرًا على الأقدام أو خلسة على متن القطارات، عابرًا روسيا وأوكرانيا والقوقاز، حتى سواحل البحر الأسود وبحر قزوين. عمل حدادًا، وعاملًا في المزارع، وحارسًا، وكاتبًا في السكك الحديدية. كان يجمع القصص؛ يستمع إلى العمال والبحارة والمتسولين، ويختزن حكاياتهم وتفاصيل حياتهم في ذاكرته. تلك الوجوه والأصوات التي صادفها في الطريق ستصبح لاحقًا المادة الخام لأعماله الأدبية.

في عام 1892، نشر أول قصة قصيرة له بعنوان "ماكار تشودرا" في مدينة تبليسي، ووقّعها باسم جديد: مكسيم غوركي. الاسم يعني "المر" بالروسية. لم يختره لأنه بدا جميلًا، بل لأن حياته كانت مريرة، ولم يرد أن يخفي هذا عن قرّائه.

 

مكسيم غوركي يقف إلى جانب ليو تولستوي في ياسنايا بوليانا عام 1900
مكسيم غوركي مع ليو تولستوي في ياسنايا بوليانا، عام 1900.

النجاح الأدبي

في عام 1898، صدرت مجموعته القصصية الأولى، وحققت نجاحًا كبيرًا. وصفه أحد النقاد بأنه "صوت خرج من بين الجماهير الروسية المنسية". سنة 1899 نشر روايته "فوما غوردييف". سنة 1902 كتب "الأعماق السفلى"، مستلهمًا شخصياتها من سنوات قازان، فاجتاحت روسيا ثم أوروبا.

وفي عام 1905، انتُخب عضوًا في الأكاديمية الإمبراطورية الروسية للعلوم، لكن القيصر نيقولا الثاني ألغى القرار بسبب مواقفه السياسية، مما دفع أنطون تشيخوف وفلاديمير كورولينكو إلى الاستقالة من الأكاديمية تضامنًا معه.

سنة 1906 كتب رواية "الأم"، التي وصفها لينين بأنها "كتاب في وقته تمامًا".

ربطته صداقات بتولستوي وتشيخوف، رغم اختلافهم الفكري.

علاقته بلينين والثورة 

اقترب غوركي من الحركات الثورية، وربطته علاقة معقدة بلينين، الذي زاره مرتين في منفاه الأول بجزيرة كابري (1906-1913). لكنه لم يكن تابعًا أعمى؛ عارض علنًا عنف البلاشفة بعد 1917، فأُغلقت صحيفته. ومع ذلك، استمر في استخدام نفوذه لمساعدة كثير من الكتّاب والعلماء والمثقفين على النجاة من الاعتقال أو الجوع خلال السنوات الأولى للاتحاد السوفييتي.

سنة 1921 غادر روسيا مجددًا. حاول العودة إلى كابري، فرفضت الحكومة الفاشية الإيطالية، فاستقر بمدينة سورينتو (1922-1932)، حيث تحول بيته إلى ملتقى للكتّاب والمنفيين الروس.

نساء في حياته

تزوج غوركي من يكاترينا بافلوفنا بيشكوفا، وأنجب منها ابنه مكسيم وابنته يكاترينا. لاحقًا ارتبط بالممثلة ماريا أندرييفا، وفي سنواته الأخيرة عاشت معه مورا بودبرغ. ومع ذلك، بقيت زوجته الأولى حاضرة في حياته حتى بعد الانفصال، تساعده في قضايا السجناء السياسيين.

بين عامي 1913 و1923، نشر ثلاثيته الشهيرة: طفولتي، عن سنوات اليتم والقسوة؛ في الناس، عن رحلات العمل واكتشاف المجتمع؛ وجامعاتي، عن الجامعة التي وجدها في الشوارع والناس والعمل، لا في قاعات الدراسة.

العودة: بيت لم يعد بيتًا

سنة 1932 عاد إلى الاتحاد السوفييتي بدعوة من ستالين. ويرى كثير من المؤرخين أن ستالين أعاده ليستفيد من مكانته الأدبية في دعم صورة النظام السوفييتي أمام العالم. استُقبل بطلًا؛ مُنح وسام لينين، وأُهدي قصرًا فخمًا، وأُعيدت تسمية مدينته باسمه. لكنه عاش تحت رقابة دائمة، ومُنع من مغادرة البلاد مجددًا.

في مايو 1934، توفي ابنه مكسيم فجأة عن سبعة وثلاثين عامًا. بعد عامين، في 18 يونيو 1936، توفي غوركي نفسه عن 68 عامًا، رسميًا بالتهاب رئوي.

خلال محاكمات موسكو عام 1938، زعم رئيس جهاز الأمن السوفييتي السابق غينريخ ياغودا وآخرون أن غوركي وابنه قُتلا بالسم، لكن معظم المؤرخين اليوم يعدّون تلك الاعترافات انتُزعت تحت الإكراه، ولذلك تبقى أسباب وفاته محل جدل حتى اليوم.

إرث غوركي

لم يكتب غوركي نفسه في كتاب واحد، بل كتبها على امتداد حياته كلها. كل عملٍ تركه حمل شيئًا من الطفل الذي ضُرب في بيت جده، ومن الشاب الذي نام في المخابز وجاب روسيا سيرًا على قدميه، ومن الرجل الذي نجا من رصاصة لم تُنهِ قصته. كتب عن الفقر واليتم لأنه عاشهما، وعن الإنسان البسيط لأنه كان واحدًا منه. لذلك، عندما نقرأ غوركي اليوم، فنحن لا نقرأ خيال كاتب فحسب، بل نقرأ حياة رجل حوّل أكثر تجارب حياته قسوة إلى أدب، وجعل اسمه واحدًا من أهم الأسماء في تاريخ الأدب الروسي والعالمي

 

للقراءة أيضًا:



كتب نوصي بها في ZE•YA

تابع قناة ZE·YA على واتساب، ليصلك كل جديد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نصف مشكلة

«صحيح أنني امرؤ سوداوي المزاج، وأجعل من النملة فيلًا، ولكن الحق يُقال: كانت النملة في ذلك اليوم تشبه الفيل كل الشبه». — مقولة متداولة، غير موثّقة النسبة لكن ماذا لو كانت المشكلة فعلًا بحجم الفيل؟ ليست كل مشكلاتنا نملًا نبالغ في حجمه. بعضها كبير فعلًا، ويحتاج إلى وقت طويل وجهد حتى نتجاوزه. لكن حتى المشكلة الكبيرة لا تحتاج دائمًا إلى حلّ كامل من اليوم الأول. يمكننا أن نأخذ منها جزءًا صغيرًا كل يوم، حتى تصبح أخفّ مما كانت عليه، ونستمر إلى أن يصبح ذلك الفيل بحجم نملة. لسنوات، كنت أظن أن المشكلة لا تنتهي إلا عندما أجد لها حلًا كاملًا. وكان هذا يجعل بعض الأمور تبدو أكبر من قدرتي على التعامل معها. وفي كثير من الأحيان أعرف ما الذي يجب فعله، لكنني أؤجّله لأنني لا أستطيع فعله كله. ولا حاجة لأن أخبرك بما كانت النتيجة. ثم بدأت أفكّر بطريقة مختلفة. ماذا لو لم أكن بحاجة إلى حلّ المشكلة كاملة من البداية؟ ومن هنا جاءت فكرة ما زلت أطبّقها حتى الآن: أن تكون عندي نصف مشكلة، أفضل من أن تكون عندي مشكلة كاملة. لست مضطرة إلى حلّ كل شيء اليوم. يكفيني أن أجعل المشكلة أصغر قليلًا. هذه الفكرة، ومعها قائمة صغيرة ...

توقّف عن قراءة كتب التنمية البشرية… إنها تجعلك أسوأ (وإليك الدليل)

تعرف الكثير… لكنك لا تفعل شيئًا قصة تعرفها جيدًا أنت لست جديدًا على هذا. تبدأ صباحك بفصل من كتاب تطوير ذات، وفي الاستراحة تستمع إلى بودكاست، وقبل النوم تقرأ ملخصات على تطبيق. لديك عشرات الكتب في مكتبتك، قرأت معظمها. تعرف “العادات الذرية”، و“قانون الجذب”، و“إدارة الوقت”، ومبدأ “باريتو”. تعرف كل شيء. في السنة الماضية… ماذا تغيّر في حياتك؟ لا شيء. نفس العمل، نفس الدخل، نفس الوزن، نفس العلاقات. ومع ذلك، تشعر أنك تتطور… لأنك تقرأ. لقد وقعت في فخ كتب التنمية البشرية، وما تقرأه هو نفسه ما يبقيك في مكانك. ---   الفكرة الأساسية: المعرفة التي لا تُطبَّق تصبح عبئًا دماغك لا يفرّق بين التعلّم والتطبيق. عندما تقرأ فكرة جديدة، يفرز الدوبامين، فتشعر بالتقدم والإنجاز… دون أن تنجز شيئًا فعليًا. أنت لا تتقدّم… أنت تستهلك. الأفكار لا فائدة منها إذا بقيت في رأسك. تبقى أفكارًا لا أكثر. لن تغيّرك، ولن تحسّن حياتك، ولن تنقذك. التنفيذ وحده هو ما يصنع الفرق. كلما زادت معرفتك دون تطبيق، كبرت الفجوة بين ما تعرفه وما تفعله. ومع هذه الفجوة، يكبر شعورك بالفشل، وتتحول المعرفة من أداة إلى عبء. ---  ثلاث صور ...

اختر حربك: متى يكون الجدال شرفًا ومتى يكون استنزافًا؟

   هناك معارك يخوضها الإنسان يوميًا دون أن ينتبه أحد… لكن الحقيقة؟ ليست كل المعارك شرفًا ربما كانت هذه المعركة نقاشًا مع مديرك، أو خلافًا عابرًا مع زميل في العمل، أو مشادة بسيطة مع شريك الحياة. لحظات صغيرة، لكنها تشعرك وكأنك وسط ساحة حرب. بعض الحروب تحدث بصوتٍ عالٍ، وبعضها داخلي لا يراه أحد. لكن الحقيقة أن ليست كل المعارك تستحق أن تُخاض، وليس كل نقاش يُخاض من أجل الكرامة أو الحق. أحيانًا، خوض المعركة يُرهق أكثر من خسارتها. --- الجدالات تسرق منك الكثير الجدالات تُنهك الطاقة، تُربك التركيز، وتسرق من الإنسان وقتًا كان يمكن أن يُمنح للنفس، للأحلام، أو لراحة البال. نغرق في الضجيج، وننسى أن هناك أهدافًا وقيمًا أهم من أن تُبدد في معارك جانبية. الحل؟ أن نتقن فنّ اختيار المعارك. --- هل تستحق هذه المعركة؟ اختيار الحروب التي يتم خوضها ليس أمرًا بسيطًا، بل هو مهارة تتطلب وعيًا ونضجًا. ليس كل تعليق يستحق ردًا، وليس كل نقاش مفتوح يجب أن نشارك فيه. اسأل نفسك قبل كل نقاش: هل يؤثر هذا الموضوع فعلًا على حياتي؟ هل لدي هدف واضح من الحوار؟ هل الطرف الآخر مستعد للاستماع؟ هل هناك نتيجة حقيقية سنصل ...