![]() |
| تصوير: Noyan |
حكاية من المناجم
بعد سنوات في الظلام — يخرج حمار إلى النور. يقف عند مدخل المنجم. الضوء أمامه. الظلام خلفه. يتلكأ. يشم الهواء. ثم يرفض أن يعود.
لا أحد يعرف بالضبط ماذا دار في رأسه. لكن تتناقل رواية قديمة بين عمال المناجم أن أحدهم قال جملة صارت تُروى بينهم جيلاً بعد جيل:
"أذكى منا — نحن دخلنا بإرادتنا."
القصة الحقيقية
في الرابع من يوليو ١٨٣٨، هبّت عاصفة رعدية عنيفة فوق قرية سيلكستون قرب بارنزلي، في يوركشاير شمال إنجلترا. اندفع ماء السيل إلى منجم هاسكار، فغرق ستة وعشرون طفلًا كانوا يعملون في الأعماق. أصغرهم في السابعة.
طلبت الملكة فيكتوريا تحقيقًا. وبعد أربع سنوات صدر قانون المناجم لعام ١٨٤٢، فمنع عمل النساء والبنات تحت الأرض، ومنع الأولاد دون العاشرة.
المشكلة؟ المناجم احتاجت بديلاً.
والحل كان الحيوانات. أغلبها خيول صغيرة جدًا، عُرفت باسم «مُهور المناجم»، وصارت في الحكايات الشعبية أحيانًا «حميرًا».
صغيرة الحجم، قوية البنية، صبورة بلا حدود، فكانت مثالية للأنفاق الضيقة التي لا يستطيع الإنسان الكبير أن يمشي فيها مستقيمًا.
كانوا يُنزلونها في أقفاص إلى أعماق المنجم. ثماني ساعات يومياً تجر عربات الفحم في الظلام. ثم تعود إلى إسطبلها تحت الأرض. وتنام. وتصحو. وتعود إلى الظلام.
مرة واحدة في السنة — خلال إجازة المنجم — كانوا يرفعونها إلى السطح. تخرج إلى الشمس وهي لا تكاد تعرفها.
في ذروة هذا العمل، سنة ١٩١٣، كان في المناجم البريطانية نحو سبعين ألف حصان صغير. كثير منها عاش معظم عمره تحت الأرض، ولم يعرف حياة أخرى.
اللحظة التي لا تُنسى
تقول الرواية إن أحد هذه الحمير — بعد سنوات قضاها تحت الأرض — أُخرج يوماً إلى السطح.
وقف عند المدخل. نظر إلى الداخل. ولم يتحرك.
ضربوه. نادوه. دفعوه. رفض.
العمال الذين شهدوا المشهد ضحكوا في البداية. ثم صمتوا. ثم قال أحدهم بصوت خافت:
"أذكى منا — نحن دخلنا بإرادتنا."
المنجم الذي نحمله معنا
الجملة طريفة. لكنها ثقيلة.
لأن الحمار لم يكن يملك إرادة حين نزل. أُنزل. وُضع في القفص، ولم يكن له خيار.
لكننا — نحن البشر — كثيراً ما ننزل بأرجلنا.
> ننزل إلى وظائف تسرق وقتنا ونسميها "استقرار". ننزل إلى علاقات تستنزفنا ونسميها "التزام". ننزل إلى عادات تضيّق عالمنا ونسميها "روتين".
ونبقى. لا لأننا سعداء — بل لأننا نسينا كيف يبدو الضوء.
ليس لأننا نحب الظلام. بل لأن البقاء يبدو أحيانًا أسهل من مواجهة أنفسنا.
ليست كل المناجم تحت الأرض. بعضها يسكن داخلنا، على هيئة خوف، أو شك، أو قصة قديمة لم نتوقف يومًا عن تصديقها. وأحيانًا لا يصنع الواقع سجننا، بل الرواية التي نرويها لأنفسنا عنه كل يوم.
الحمار لم ينسَ.
لأن الحمار لم يختر الظلام أصلًا — فلما رأى النور عرف الفرق فورًا.
أما نحن، فنختار الظلام بأنفسنا، ثم نتكيّف معه ببطء، حتى يبدو طبيعيًا. حتى نظن أن الضوء هو الاستثناء.
حتى من لم يعرف النور من قبل، يستطيع أن يشعر بالفرق عندما يراه. المشكلة ليست في تمييز النور، بل في أن الظلام قد يصبح مألوفًا، وأن الخروج منه يحتاج إلى شجاعة.
ويبقى السؤال...
ما المنجم الذي أنت فيه الآن؟
لا أقصد العمل بالضرورة. أقصد أي مكان — حرفياً أو مجازاً — دخلته يوماً بقدميك، وصار يصعب عليك الخروج منه. ليس لأن الباب مغلق — بل لأنك اعتدت الظلام حتى كدت تنساه.
الحمار وقف عند المدخل ورفض. ليس لأنه شجاع. بل لأنه تذكّر وعرف الفرق. أما أنت... فهل ما زلت تتذكر كيف يبدو الضوء؟ أم أن الظلام هو كل ما عرفته يومًا؟
كتب نوصي بها في ZE•YA
تابع قناة ZE·YA على واتساب، ليصلك كل جديد.




تعليقات
إرسال تعليق