التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف تتخذ قرارًا أفضل تحت الضغط

جيمس بيرك، الرئيس التنفيذي لجونسون آند جونسون، خلال أزمة تايلينول عام 1982.

في صباح التاسع والعشرين من سبتمبر 1982، استيقظت عائلة في إحدى ضواحي شيكاغو على طفلة مريضة. كانت ماري كيلرمان في الثانية عشرة من عمرها. اشتكت من التهاب في الحلق وسيلان في الأنف، فأعطاها والداها كبسولة من تايلينول إكسترا سترينث.

بعد ساعات، كانت ماري في المستشفى. ثم ماتت.

في البداية، لم يكن أحد يعرف أن هذه الوفاة ستكون بداية أزمة ستصل إلى ملايين الأمريكيين. كانت هناك طفلة ماتت بصورة مفاجئة، ثم حالات أخرى بدأت تظهر في منطقة شيكاغو.

آدم جانوس، 27 عامًا، تناول تايلينول بسبب ألم بسيط. مات هو أيضًا. اجتمعت عائلته في منزله بعد وفاته. كان شقيقه ستانلي وزوجته تيريزا يعانيان من الصداع، فتناولا كبسولات من العبوة نفسها.

خلال وقت قصير، مات الاثنان.

شيء ما كان يحدث. وفي غضون أيام، وصل العدد إلى سبعة.

الشيء الوحيد الذي جمع بينهم كان موجودًا في خزائن حمامات ملايين الأمريكيين: كبسولات تايلينول إكسترا سترينث.

ثم جاء اكتشاف السيانيد.

لم يكن الأمر جرعة دوائية خاطئة. لم يكن أثرًا جانبيًا نادرًا. شخص ما فتح عبوات الدواء، وضع السيانيد داخل بعض الكبسولات، ثم أعادها إلى الأرفف.

لكن هذا لم يكن معروفًا منذ اللحظة الأولى.

وفي نيوجيرسي، بدأت المشكلة تصل إلى جيمس بيرك، الرئيس التنفيذي لجونسون آند جونسون.

كان تايلينول في ذلك الوقت واحدًا من أنجح مسكنات الألم في الولايات المتحدة. كان يسيطر على نحو 35% من سوق المسكنات الذي بلغت قيمته قرابة 1.2 مليار دولار.

وفجأة، أصبح اسم المنتج يظهر بجانب كلمة واحدة: السيانيد.

لم يكن لدى بيرك وفريقه رفاهية انتظار انتهاء التحقيق. كان عليهم أن يقرروا قبل أن يعرفوا القصة كاملة.


المشكلة لم تكن في العبوات التي عُثر عليها

لو كانت الشركة تعرف أن سبع عبوات فقط قد عُبث بها، لكان القرار سهلًا: اسحبها، اعثر على المتاجر التي باعتها، أغلق القضية.

لكن لم يكن أحد يعرف عدد العبوات المسمومة. ولم يكن واضحًا في البداية أين حدث العبث أصلًا. هل حدث أثناء التصنيع؟ أثناء التوزيع؟ أم أن شخصًا كان يشتري العبوات من المتاجر، يفتحها، يضع السم داخلها ثم يعيدها إلى الرفوف؟

كل احتمال كان يقود إلى قرار مختلف.

إذا كان العبث محليًا، فإن سحب ملايين العبوات من الولايات المتحدة كلها سيكون رد فعل هائلًا على جريمة محدودة.

وإذا لم يكن محليًا؟

فكل ساعة انتظار تعني أن شخصًا آخر قد يفتح خزانة الدواء في منزله.

لم تكن هناك معادلة يمكن أن تعطي بيرك الإجابة. كان هناك فقط ثمن لكل اختيار.


مئة مليون دولار مقابل شيء لا يمكن قياسه

بدأت جونسون آند جونسون بسحب المنتج، ثم اتخذت القرار الذي سيجعل الأزمة تُدرّس لاحقًا لعقود.

لن يكون السحب من شيكاغو فقط. سيخرج تايلينول من السوق على نطاق وطني.

31 مليون عبوة.

بلغت تكلفة العملية نحو 100 مليون دولار — في عام 1982. ولم يكن أحد يستطيع أن يعد الشركة بأنها ستستعيد هذه الأموال.

قبل الوفيات، كان تايلينول يملك نحو 35% من سوق المسكنات. بعد الأزمة، انهارت حصته إلى نحو 7%.

لم يكن السؤال فقط إن كانت الشركة قادرة على دفع تكلفة السحب. كان السؤال إن كانت ستدفع مئة مليون دولار لإنقاذ منتج قد لا يرغب أحد في شرائه مرة أخرى.

لم يكن لديه دليل يقول إن هذا القرار سيعيد ثقة الناس. لم يكن لديه نموذج مالي يخبره أن الحصة السوقية ستعود. ولم يكن يعرف إن كانت الأزمة ستنتهي بعد سبعة قتلى أم أنها لم تبدأ بعد.

لكنه كان يملك شيئًا آخر.

لقطة من كاميرا مراقبة داخل صيدلية خلال أزمة تسميم تايلينول عام 1982.

القرار كان قد كُتب قبل الأزمة بأربعين عامًا

منذ أربعينيات القرن الماضي تقريبًا، كانت جونسون آند جونسون تعمل وفق وثيقة داخلية تعرف باسم ميثاق الشركة (Our Credo).

ترتيب المسؤوليات فيها لم يكن غامضًا: المستهلكون أولًا، ثم الموظفون، ثم المجتمع، ثم المساهمون.

بعد سنوات، عندما سُئل بيرك عن قرار تايلينول، لم يقل إنه عرف كيف ستنتهي الأزمة. قال إن الميثاق أعطاه ما احتاجه لإقناع المساهمين وغيرهم بإنفاق 100 مليون دولار على السحب.

واحد من أشهر القرارات التي اتُخذت تحت الضغط في تاريخ الشركات لم يبدأ عندما ظهرت أول عبوة مسمومة. جزء منه كان قد اتُخذ قبل ذلك بعقود.

الشركة كانت قد قررت مسبقًا ما الذي يأتي أولًا عندما تتعارض سلامة المستهلك مع المال.

في الأيام العادية، تبدو هذه الجمل مثل اللغة التي تكتبها الشركات على الجدران والمواقع الإلكترونية.

في سبتمبر 1982، أصبح لها سعر: مئة مليون دولار.


ثم فعلت الشركة شيئًا آخر

لم تحاول أن تجعل الناس ينسون ما حدث. فعلت العكس.

حذرت المستهلكين، أوقفت الإعلانات والإنتاج المرتبط بالكبسولات، فتحت خطوط اتصال مباشرة، وأخرجت المنتج الذي صنع المشكلة من السوق.

ثم بدأت تفكر في سؤال أصعب:

كيف تجعل شخصًا يرى اسم تايلينول ولا يفكر في السيانيد؟

كان الجواب في العبوة نفسها.

عندما عاد تايلينول إلى السوق بعد نحو شهرين، عاد بتغليف مقاوم للعبث؛ حواجز وأختام تجعل فتح العبوة والتلاعب بها أصعب، وتجعل العبث ظاهرًا للمستهلك.

الأزمة لم تغيّر تايلينول فقط. بعد الوفيات، أصدرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية متطلبات جديدة للتغليف المقاوم للعبث، ثم جاء قانون اتحادي يجرّم العبث المتعمد بالمنتجات الاستهلاكية.

السبع وفيات غيّرت شكل عبوات الأدوية في أمريكا.

أما تايلينول، الذي هبطت حصته السوقية إلى 7%، فعاد إلى نحو 30% بحلول منتصف العام التالي، ثم اقترب من مستواه السابق بنهاية 1983.

نعرف هذه الأرقام الآن.

بيرك لم يكن يعرفها عندما اتخذ القرار.


ماذا تفعل عندما يجب أن تقرر قبل أن تعرف ما يكفي؟

معظم القرارات الصعبة لا تصل بعد اكتمال المعلومات. لو وصلت، لما كانت صعبة إلى هذا الحد.

تأتيك فرصة عمل، لكنك لا تعرف إن كانت الشركة الجديدة ستنجح. تنتهي علاقة، ولا تعرف إن كنت ستندم بعد ستة أشهر. يظهر استثمار، لكنك لا تستطيع رؤية المستقبل. تحتاج إلى مغادرة مكان، بدء مشروع، رفض عرض، قبول مخاطرة، أو قول شيء لا تستطيع سحبه بعد ذلك.

ثم يبدأ العقل بمحاولة شراء المزيد من الوقت: معلومة أخرى، رأي آخر، يوم آخر، مكالمة أخرى، بحث آخر.

أحيانًا يكون ذلك ذكاءً. وأحيانًا يكون مجرد خوف يرتدي ملابس التحليل.

المشكلة أن بعض القرارات لها نافذة، والمعلومة التي ستجعلك متأكدًا تمامًا قد تصل بعد أن تغلق. ما فعله بيرك لا يقدم قاعدة تقول: اختر دائمًا الخيار الأغلى، أو الأكثر أمانًا، أو الأكثر أخلاقية. يقدم شيئًا أبسط.

عندما لا تستطيع معرفة النتيجة، غيّر السؤال. بدلًا من: أي خيار سيعطيني أفضل نتيجة؟ اسأل: أي نتيجة لا أستطيع قبول أنني ساهمت في حدوثها؟

هذا تقريبًا ما جعل معادلة تايلينول مختلفة. خسارة مئة مليون دولار كانت نتيجة قاسية، لكنها قابلة للإصلاح. موت شخص آخر لأن الشركة انتظرت معلومات أكثر؟ ليس كذلك.

وفجأة، لم تعد كل المخاطر متساوية.لهذا تحتاج إلى قواعدك قبل الأزمة

هناك قرارات لا ينبغي أن تبدأ التفكير فيها عندما تصل. يجب أن تكون أجزاء منها محسومة مسبقًا.

ما الشيء الذي لن تفعله مقابل المال؟ ما الذي سيجعلك تغادر علاقة مهما كانت تكلفة الرحيل؟ متى تصبح المحافظة على السمعة أقل أهمية من قول الحقيقة؟ ما مقدار الخسارة الذي تستطيع تحمله مقابل حماية شيء تعتبره غير قابل للتفاوض؟

هذه ليست أسئلة فلسفية. إنها طريقة لتقليل عدد القرارات التي ستضطر إلى اتخاذها وأنت خائف.

خذ سؤال السمعة مثلًا. لن يكون من السهل أن تجيب عنه وسط الموقف الذي يختبرك، عندما يكون اسمك قد ارتبط بالخطأ والجميع يراقب كيف ستتصرف. أجب عنه الآن، في يوم عادي، بجملة تستطيع أن تكررها لاحقًا: «أفضل أن أخسر الصفقة على أن أكذب بشأن ما حدث». اكتبها إذا كان ذلك يساعدك على الالتزام بها. هذه الجملة ليست خطة لكل أزمة قد تواجهها، لكنها قرار أقل ستضطر إلى اتخاذه وأنت تحت الضغط، تمامًا كما ساعد ميثاق الشركة بيرك على اتخاذ قراره قبل أن يحتاج إليه بأربعين عامًا.
لأن الضغط يفعل شيئًا بسيطًا بالعقل: يجعل ما هو قريب يبدو أكبر. الخسارة التي ستحدث اليوم تبدو ضخمة، والضرر الذي قد يحدث بعد عام يبدو بعيدًا.

لهذا كان أسهل قرار مالي في أزمة تايلينول هو حماية المنتج قدر الإمكان. وكان أصعب قرار مالي هو إخراجه من السوق.

لكن بعد أكثر من أربعين عامًا، لا أحد يتذكر المئة مليون دولار باعتبارها الخسارة التي كادت تقتل تايلينول.

نتذكرها باعتبارها الثمن الذي دفعته الشركة كي يثق الناس بالعبوة مرة أخرى.

القرار الجيد تحت الضغط لا يحتاج دائمًا إلى معلومات أكثر. أحيانًا يحتاج إلى شيء سبق المعلومات: مبدأ يحدد أي خسارة يمكنك إصلاحها، وأي خسارة لا تريد أن تعيش معها.

جيمس بيرك لم يكن يعرف كيف ستنتهي أزمة تايلينول. كان فقط يعرف إلى أين ينظر حين لم تعد الحسابات كافية.



مقالات ذات صلة

ماذا تفعل عندما يفاجئك قرار لم تستعد له؟

عن القرارات التي تصل قبل أن نكون مستعدين لها، وكيف نتعامل معها عندما لا نملك كل الإجابات.

 

العادة الغريبة التي تجعل عقلك يتخذ القرار الصحيح تحت الضغط... قبل أن يفرض الموقف نفسه

كيف تساعدك القواعد التي تحددها مسبقًا على اتخاذ قرار أوضح عندما يشتد الضغط.


العقدة والمنشار: لماذا نصعّب حياتنا؟

عن التعقيد الذي نصنعه أحيانًا حول مشكلاتنا، وما يحدث عندما نغيّر طريقة النظر إليها.

كتب نوصي بها في ZE•YA

تابع «قناة ZE•YA على واتساب» واكتشف جديدنا.






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نصف مشكلة

«صحيح أنني امرؤ سوداوي المزاج، وأجعل من النملة فيلًا، ولكن الحق يُقال: كانت النملة في ذلك اليوم تشبه الفيل كل الشبه». — مقولة متداولة، غير موثّقة النسبة لكن ماذا لو كانت المشكلة فعلًا بحجم الفيل؟ ليست كل مشكلاتنا نملًا نبالغ في حجمه. بعضها كبير فعلًا، ويحتاج إلى وقت طويل وجهد حتى نتجاوزه. لكن حتى المشكلة الكبيرة لا تحتاج دائمًا إلى حلّ كامل من اليوم الأول. يمكننا أن نأخذ منها جزءًا صغيرًا كل يوم، حتى تصبح أخفّ مما كانت عليه، ونستمر إلى أن يصبح ذلك الفيل بحجم نملة. لسنوات، كنت أظن أن المشكلة لا تنتهي إلا عندما أجد لها حلًا كاملًا. وكان هذا يجعل بعض الأمور تبدو أكبر من قدرتي على التعامل معها. وفي كثير من الأحيان أعرف ما الذي يجب فعله، لكنني أؤجّله لأنني لا أستطيع فعله كله. ولا حاجة لأن أخبرك بما كانت النتيجة. ثم بدأت أفكّر بطريقة مختلفة. ماذا لو لم أكن بحاجة إلى حلّ المشكلة كاملة من البداية؟ ومن هنا جاءت فكرة ما زلت أطبّقها حتى الآن: أن تكون عندي نصف مشكلة، أفضل من أن تكون عندي مشكلة كاملة. لست مضطرة إلى حلّ كل شيء اليوم. يكفيني أن أجعل المشكلة أصغر قليلًا. هذه الفكرة، ومعها قائمة صغيرة ...

توقّف عن قراءة كتب التنمية البشرية… إنها تجعلك أسوأ (وإليك الدليل)

تعرف الكثير… لكنك لا تفعل شيئًا قصة تعرفها جيدًا أنت لست جديدًا على هذا. تبدأ صباحك بفصل من كتاب تطوير ذات، وفي الاستراحة تستمع إلى بودكاست، وقبل النوم تقرأ ملخصات على تطبيق. لديك عشرات الكتب في مكتبتك، قرأت معظمها. تعرف “العادات الذرية”، و“قانون الجذب”، و“إدارة الوقت”، ومبدأ “باريتو”. تعرف كل شيء. في السنة الماضية… ماذا تغيّر في حياتك؟ لا شيء. نفس العمل، نفس الدخل، نفس الوزن، نفس العلاقات. ومع ذلك، تشعر أنك تتطور… لأنك تقرأ. لقد وقعت في فخ كتب التنمية البشرية، وما تقرأه هو نفسه ما يبقيك في مكانك. ---   الفكرة الأساسية: المعرفة التي لا تُطبَّق تصبح عبئًا دماغك لا يفرّق بين التعلّم والتطبيق. عندما تقرأ فكرة جديدة، يفرز الدوبامين، فتشعر بالتقدم والإنجاز… دون أن تنجز شيئًا فعليًا. أنت لا تتقدّم… أنت تستهلك. الأفكار لا فائدة منها إذا بقيت في رأسك. تبقى أفكارًا لا أكثر. لن تغيّرك، ولن تحسّن حياتك، ولن تنقذك. التنفيذ وحده هو ما يصنع الفرق. كلما زادت معرفتك دون تطبيق، كبرت الفجوة بين ما تعرفه وما تفعله. ومع هذه الفجوة، يكبر شعورك بالفشل، وتتحول المعرفة من أداة إلى عبء. ---  ثلاث صور ...

اختر حربك: متى يكون الجدال شرفًا ومتى يكون استنزافًا؟

   هناك معارك يخوضها الإنسان يوميًا دون أن ينتبه أحد… لكن الحقيقة؟ ليست كل المعارك شرفًا ربما كانت هذه المعركة نقاشًا مع مديرك، أو خلافًا عابرًا مع زميل في العمل، أو مشادة بسيطة مع شريك الحياة. لحظات صغيرة، لكنها تشعرك وكأنك وسط ساحة حرب. بعض الحروب تحدث بصوتٍ عالٍ، وبعضها داخلي لا يراه أحد. لكن الحقيقة أن ليست كل المعارك تستحق أن تُخاض، وليس كل نقاش يُخاض من أجل الكرامة أو الحق. أحيانًا، خوض المعركة يُرهق أكثر من خسارتها. --- الجدالات تسرق منك الكثير الجدالات تُنهك الطاقة، تُربك التركيز، وتسرق من الإنسان وقتًا كان يمكن أن يُمنح للنفس، للأحلام، أو لراحة البال. نغرق في الضجيج، وننسى أن هناك أهدافًا وقيمًا أهم من أن تُبدد في معارك جانبية. الحل؟ أن نتقن فنّ اختيار المعارك. --- هل تستحق هذه المعركة؟ اختيار الحروب التي يتم خوضها ليس أمرًا بسيطًا، بل هو مهارة تتطلب وعيًا ونضجًا. ليس كل تعليق يستحق ردًا، وليس كل نقاش مفتوح يجب أن نشارك فيه. اسأل نفسك قبل كل نقاش: هل يؤثر هذا الموضوع فعلًا على حياتي؟ هل لدي هدف واضح من الحوار؟ هل الطرف الآخر مستعد للاستماع؟ هل هناك نتيجة حقيقية سنصل ...