في آخر يوم طويل، حين ينتهي العمل أخيرًا، يأتي صوت صغير من الداخل: تستحق شيئًا.
ولهذا الصوت عادةً طريقان قريبان: الثلاجة، أو الهاتف.
قطعة حلوى بعد مهمة صعبة. طلب من متجر على الإنترنت بعد أسبوع متعب. فنجان قهوة من المقهى، لأن اليوم كان ثقيلًا. لا شيء من هذا خطأ في ذاته. كلها لحظات صغيرة نقول فيها لأنفسنا: رأيتُ تعبك.
لكني انتبهت يومًا إلى شيء لم أكن أراه سابقًا. المكافأة لم تعد تأتي بعد الإنجاز فقط. صارت تأتي بعد التعب، وبعد الملل، وبعد الضيق، وبعد أي يوم لا يشبه ما أردته. لم تعد مكافأة. صارت طريقة للخروج من شعور لا أريد البقاء فيه.
والشعور الحلو لا يدوم. الحلوى تنتهي في دقائق. والطرد يصل بعد أيام، فنفتحه بنصف حماس، ثم نضعه جانبًا. وفي آخر الشهر، نفتح الحساب، أو نقف أمام المرآة، فنجد أن المكافآت الصغيرة اجتمعت، وصارت شيئًا كبيرًا لم نختره.
كأننا كنا نكافئ أنفسنا بشيء يأخذ منا.
والمكافأة الجيدة لا تأخذ منك ما تبنيه.
العادات لا تبقى لأننا قررنا. تبقى لأن شيئًا ما بعدها يجعلنا نريد العودة إليها.
في التسعينيات، راقب عالم الأعصاب وولفرام شولتز خلايا الدوبامين في أدمغة قرود، في مختبر في سويسرا. كان يُضاء ضوء، ثم تنزل قطرة عصير في فم القرد. في البداية، كانت الخلايا تنشط حين يصل العصير. ومع التكرار، صارت تنشط عند الضوء، قبل أن يصل العصير. تعلّم الدماغ أن يتوقّع المكافأة قبل وصولها. وإذا أُضيء الضوء ولم يأتِ العصير، انخفض نشاط الخلايا تحت مستواه المعتاد، كأنها خيبة أمل صغيرة.
ولهذا تصعب العادات الجيدة. الرياضة تعطي نتيجتها بعد أشهر. والتوفير بعد سنوات. والقراءة لا تظهر فوائدها في اليوم نفسه. أما الحلوى والشراء، فيعطيان ما نريده الآن، في هذه الثانية. ولهذا نبحث دائمًا عن الأسرع: عن الشيء الذي يرفع الدوبامين في لحظة، ونشعر بأثره فورًا، بدل نتيجة تحتاج وقتًا.
فالمشكلة ليست أننا ضعفاء. المشكلة أن أقرب مكافأة، غالبًا، ليست أنفعها.
نحن نتعامل مع المهمة كأنها ثمن ندفعه، ثم نبحث عن المكافأة بعدها: في الثلاجة، أو في السوق. لكن ماذا لو كانت المهمة نفسها هي المكافأة؟
ومع الوقت، اكتشفت أن مكافأتي لم تعد شيئًا يأتي بعد الإنجاز. صار الإنجاز نفسه هو المكافأة. أن أرى الشيء الذي عملت عليه مكتملًا أمامي، يعني أن شيئًا في حياتي انضبط، وهذا وحده يكفيني.
أن ترتّب بيتك حتى يصير جميلًا، مكافأة. أن تطبخ أكلة لك ولعائلتك، مكافأة. أن تعتني بسيارتك، أو ترى مالك يكبر شيئًا فشيئًا، مكافأة. كل حركة تقوّي شيئًا في حياتك هي مكافأتك نفسها، لا ثمن تدفعه لتنال مكافأة بعدها.
والفكرة أوسع من البيت. الطالب الذي يحلّ مسألة بقيت مغلقة عليه ساعة، ثم يفهمها فجأة. المزارع الذي يرى الزرع يطلع من أرض تعب فيها. الأم التي ترى طفلها يربط حذاءه وحده بعد أيام من المحاولة. المتقاعد الذي يقرأ أول جملة في لغة بدأ تعلّمها في السبعين. ومن يصعد الدرج كاملًا لأول مرة بعد أشهر من المرض. لا أحد من هؤلاء ينتظر حلوى بعدها. اللحظة نفسها تكفي.
وهذه ليست فكرة جديدة. ففي تقاليد الحِرَف اليابانية، تجد من يقضي عمره يتقن صنع شيء واحد، ويرى الإتقان نفسه مكافأته. العمل يحمل قيمته في داخله، قبل أي شيء يأتي بعده.
بل إن المكافأة التي نعلّقها على العمل قد تسرق منه متعته. طفل يحب الرسم، فنعطيه مالًا على كل رسمة. ومع الوقت، قد يصير يرسم من أجل المال، فإذا توقف المال، توقف الرسم، وينسى أنه كان يرسم لأنه يحب أن يرسم.
ولا أقول إن كل عمل نافع ممتع. من يعتني بأبيه المريض، أو يسدّد دينًا قسطًا بعد قسط، لن يشعر بالمتعة. لكن المكافأة هنا ليست شعورًا، بل معنى: أنا أحمي شيئًا يهمّني. وهذا أيضًا يكفي.
لكن كثيرًا مما نعمله لا يُرى أثره بسهولة، فنعمل ولا نشعر أن شيئًا يكبر. فاجعل أثر عملك ظاهرًا أمامك: ورقة تشطب فيها ما أنجزته، أو صورة للمكان قبل ترتيبه وبعده، أو رقم صغير يكبر في حسابك.
وحتى الراحة: أن تقرأ مقالًا، أو تجلس على الشرفة، أو تذهب إلى البحر. لماذا نعاملها كهدية بعد التعب، ولا نراها جزءًا من الحياة له قيمته في ذاته؟ بشرط ألا تتحول إلى بند آخر نحاسب أنفسنا عليه. الراحة تبقى راحة.
وإن أردت أن تبدأ عادة جديدة بهذه النظرة، فهناك طريقة بسيطة قدّمها الباحث بي جي فوغ، من جامعة ستانفورد، في كتابه «العادات الصغيرة». ثلاث خطوات:
أولًا، اربطها بعادة موجودة. لا تقل: سأقرأ كل يوم. قل: بعد أن أصبّ قهوتي الصباحية، أقرأ.
ثانيًا، اجعلها صغيرة جدًا. لا تبدأ بهدف إنهاء كتاب كل أسبوع. ابدأ بصفحة واحدة بعد قهوتك، صفحة تستطيع قراءتها حتى في أكثر أيامك انشغالًا.
ثالثًا، احتفل فورًا. بعد أن تنتهي مباشرة، توقّف لحظة، وانتبه أنك فعلتها. يرى فوغ أن هذا الشعور الصغير بالنجاح، الذي يسمّيه «التألّق» (Shine)، يساعد على ترسيخ العادة أكثر من التكرار وحده. لا حلوى، ولا شراء. فقط أن ترى أن ما فعلته هو مكافأتك. افتخر بإنجازاتك الصغيرة.
فإن وجدت عملًا تفعله ولا تشعر أنه يعطيك شيئًا، فهنا السؤال الحقيقي: ما الذي يفيدني فيه؟ وهل أحتاجه فعلًا؟ فبعض الأعمال أثرها مادي، نراه ونلمسه، وبعضها أثرها معنوي، نشعر به ولا نراه. والمكافأة تختلف باختلافه. لكن العمل الذي لا يعطيك هذا ولا ذاك، لماذا تفعله من الأساس؟ وهناك أشياء أكبر من هذا السؤال: مسؤوليات نحملها تجاه من نحب، لا نزنها بما تعطينا، لأن حملها نفسه هو معناها.
في هذه الحياة نفعل أشياء نحتاجها وأشياء لا نحتاجها، أشياء تفيدنا وأشياء لا تفيدنا. والسؤال الذي يفرّق بينها بسيط: هل هذا يفيدني؟ وحين نضع كل ما يفيدنا في قائمة واحدة، ونسمّيها مكافآتنا، يتغيّر شكل يومنا كله.
وحين يصير كل جزء من حياتك شيئًا تحبه، يصير كل جزء منها مكافأتك. فاجعل مكافآتك أعمالًا تطوّر حياتك، ونشوة إنجاز تعرف طعمها. العمل نفسه هو المكافأة، وحياتك كلها هي المكافأة.
العادة التي نريدها تحتاج إلى سبب يجعلنا نعود إليها غدًا. وأجمل سبب هو الشعور الذي يأتي بعدها، إذا لم نسرقه بشيء أسرع.
فاختر اليوم عادة واحدة صغيرة. وحين تنتهي منها، قبل أن تمدّ يدك إلى الثلاجة أو إلى الهاتف، توقف ثانية، وانتبه للشعور الذي جاء.
قد يكون صغيرًا. لكنه لك، ولا يأخذ منك شيئًا.
المصادر
• شولتز، دايان، ومونتاغيو (١٩٩٧)، «الأساس العصبي للتوقّع والمكافأة»، مجلة ساينس.
• إدوارد ديسي (١٩٧١)، أثر المكافأة الخارجية على الدافع الداخلي، مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي.
• بي جي فوغ (٢٠١٩)، كتاب «العادات الصغيرة».
مقالات ذات صلة
العقدة والمنشار: لماذا نصعّب حياتنا؟
عن التعقيد الذي نصنعه أحيانًا حول مشكلاتنا، وما يحدث عندما نغيّر طريقة النظر إليها.
عن التجارب التي نحملها معنا، وما نختار الاحتفاظ به أو تركه خلفنا.
ماذا تفعل عندما يفاجئك قرار لم تستعد له؟
عن القرارات التي تصل قبل أن نكون مستعدين لها، وكيف نتعامل معها عندما لا نملك كل الإجابات.
كتب نوصي بها في ZE•YA
تابع قناة ZE·YA على واتساب، ليصلك كل جديد.

تعليقات
إرسال تعليق